محمد بن جعفر الكتاني

30

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وإلا ؛ فأكثرهم لا يبقى له بعد الموت إلا التبرك بمحبته والدعاء عند قبره والتوسل به ، ولذلك يقول بعض الصالحين : من لم يحي بحي لم يحي أبدا ولو زار ألف [ 28 ] ميت . يريد هذا المعنى . . . » . ه . واللّه أعلم . الثاني : نقل ابن عرفة عن بعضهم أنه كان يقول : « إذا رأيت الطالب في ابتداء أمره يكثر من زيارة القبور ومن نظر رسالة القشيري ، فاعلم أنه لا يفلح ؛ لاشتغاله عن طلب العلم بما لا يجدي شيئا » . وكتب عليه العارف الفاسي ما نصه : « وفيه نظر ؛ بل ما ذمّه أنفع للقلب وفي الآخرة من التجرد لما ذكره ، وإنما العلم : الخشية للّه . لا مجرد الطلب ، بل التمادي فيه قسوة . . . » . وتأوله الشيخ أبو العباس أحمد بن عجيبة في تفسيره عند قوله تعالى في سورة التكاثر : حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ . [ التكاثر : 2 ] ، ونصه : « وقال ابن عرفة : زيارة المقابر محدودة - أي : كيوم في شهر مثلا - وكان بعضهم يقول : إذا رأيتم الطالب في ابتداء أمره يستكثر من زيارة القبور ومن مطالعة رسالة القشيري ؛ فاعلم أنه لا يفلح . لاشتغاله عن طلب العلم بما لا يجدي شيئا . أي لا يفوز بعلم الظاهر ، لأن علم الباطن يفتر عن الظاهر ، فينبغي لمن كان فيه أهلية العلم أن يفرده حتى يحوز منه ما قسم له ، ثم يشتغل بعلم الباطن بصحبة أهله ، وإلا فمطالعة الكتب بلا شيخ لا توصل إليه ، وإنما ينال محبة القوم فقط ، وفيها مقنع لمن ضعفت همته . . . » انتهى كلامه بلفظه . الثالث : المدار في الزيارة على النية الصالحة الصادقة ؛ فإذا عمل الزائر نيته في محل وكانت صادقة ؛ فإنه ينتفع من ذلك المحل لا محالة ، ولو كان صاحبه في نفس الأمر ليس كما يظن الناس فيه ، وعلى هذا : فإذا اشتهر شخص في حياته بالولاية وكان خاليا منها في نفس الأمر ، ثم إنه بعد وفاته دعته شهرته إلى القبة والدربوز والكسوة ، وصار الناس يزورونه ، فإنهم ينتفعون بزيارته بحسب نياتهم ومقاصدهم ، وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى . ويروى مرفوعا : « لو حسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه اللّه به » لكن نص ابن تيمية وابن حجر العسقلاني على أنه : لا أصل له . يعنيان من حيث اللفظ ، وإن كان صحيحا من حيث المعنى . وفي " الإبريز " نقلا عن الشيخ مولانا عبد العزيز الدباغ - رضي اللّه عنه - قال : « إن قلوب أمة سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلم لها شأن عظيم عند اللّه ، ولو أنها اجتمعت على موضع لم يدفن فيه أحد وظنت فيه وليا ، وجعلت ترغب إلى اللّه تعالى في ذلك الموضع ؛ فإن اللّه تعالى يسرع لها بالإجابة ، قال : وقد يقع هذا أيضا في الأولياء الأحياء ، فقد يكون الرجل مشهورا بالولاية [ 29 ] عند الناس ، وتقضى بالتوسل به إلى اللّه الحوائج ، ولا نصيب له في الولاية ، وإنما قضيت حاجة المتوسل به على يد أهل التصرف . . . » . انتهى .